فخر الدين الرازي

213

تفسير الرازي

قوله تعالى * ( هَآ أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ باِلْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الاَْنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) * . واعلم أن هذا نوع آخر من تحذير المؤمنين عن مخالطة المنافقين ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال السيد السرخسي سلمه الله * ( ها ) * للتنبيه و * ( أنتم ) * مبتدأ و * ( أولاء ) * خبره و * ( تحبونهم ) * في موضع النصب على الحال من اسم الإشارة ، ويجوز أن تكون * ( أولاء ) * بمعنى الذين و * ( تحبونهم ) * صلة له ، والموصول مع الصلة خبر * ( أنتم ) * وقال الفرّاء * ( أولاء ) * خبر و * ( تحبونهم ) * خبر بعد خبر . المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر في هذه الآية أموراً ثلاثة ، كل واحد منها على أن المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير المؤمن بطانة لنفسه فالأول : قوله * ( تحبونهم ولا يحبونكم ) * وفيه وجوه : أحدها : قال المفضل * ( تحبونهم ) * تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء * ( ولا يحبونكم ) * لأنهم يريدون بقاءكم على الكفر ، ولا شك أنه يوجب الهلاك الثاني : * ( تحبونهم ) * بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة * ( ولا يحبونكم ) * بسبب كونكم مسلمين الثالث : * ( تحبونهم ) * بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان * ( ولا يحبونكم ) * بسبب أن الكفر مستقر في باطنهم الرابع : قال أبو بكر الأصم * ( تحبونهم ) * بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن * ( ولا يحبونكم ) * بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر الخامس : * ( تحبونهم ) * بسبب أنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب * ( ولا يحبونكم ) * لأنهم يعلمون أنكم تحبون الرسول وهم يبغضون الرسول ومحب المبغوض مبغوض السادس : * ( تحبونهم ) * أي تخالطونهم ، وتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم * ( ولا يحبونكم ) * أي لا يفعلون مثل ذلك بكم . واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون المؤمنين يحبونهم ولكونهم يبغضون المؤمنين ، فالكل داخل تحت الآية ، ولما عرفهم تعالى كونهم مبغضين للمؤمنين